الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

479

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

إلا مع المشي ، ولم يقل أحد رملت به راحلته ، وإنما قالوا : رمل ، أي بنفسه . وقال الشافعي : أما سعيه الذي طاف لمقدمه فعلى قدميه . انتهى . ولما استلم - صلى اللّه عليه وسلم - الحجر مضى على يمينه ، فرمل ثلاثا ومشى أربعا . وكان ابتداء الرمل في عمرة القضية ، لما قدم - صلى اللّه عليه وسلم - وأصحابه مكة ، وقد وهنتهم حمى يثرب ، فقال المشركون : إنه يقدم عليكم غدا قوم قد وهنتهم الحمى ، ولقوا منها شدة ، فجلسوا مما يلي الحجر ، وأمرهم النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - أن يرملوا ثلاثة أشواط ، ويمشوا بين الركنين ليرى المشركين جلدهم ، فقال المشركون : هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم ، هؤلاء أجلد من كذا وكذا « 1 » . رواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن عباس . ولما كان في حجة الوداع رمل - صلى اللّه عليه وسلم - وأصحابه ، فكان سنة مستقلة . قال الطبري : قد ثبت أنه - صلى اللّه عليه وسلم - رمل ولا مشرك يومئذ بمكة ، يعنى في حجة الوداع ، فعلم أنه من مناسك الحج ، إلا أن تاركه ليس تاركا لعمل ، بل لهيئة مخصوصة ، فكان كرفع الصوت بالتلبية ، فمن لبى خافضا صوته لم يكن تاركا للتلبية بل لصفتها ، فلا شيء عليه . انتهى . فلو ترك الرمل في الثلاث لم يقضه في الأربع ، لأن هيئتها السكينة فلا تغير ، واللّه أعلم . ولما فرغ - صلى اللّه عليه وسلم - من طوافه أتى المقام ، فقرأ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى « 2 » فصلى ركعتين بينه وبين البيت ، قرأ فيهما ب قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ « 3 » و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ « 4 » ثم رجع إلى الركن الذي فيه الحجر فاستلمه . ثم خرج من الباب إلى الصفا ، فلما دنا من الصفا قرأ إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ « 5 » ، أبدأ بما بدأ اللّه به ، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 1266 ) في الحج ، باب : استحباب الرمل في الطواف والعمرة ، من حديث ابن عباس - رضى اللّه عنهما - . ( 2 ) سورة البقرة : 125 . ( 3 ) سورة الكافرون : 1 . ( 4 ) سورة الإخلاص : 1 . ( 5 ) سورة البقرة : 158 .